يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
12
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
فوجب وقوعه بعد " اللّه " وقبل " الرحيم " لذلك . فثبت للّه تعالى اسمان خاصان علمان : أحدهما : منقول من جنس . والآخر : منقول من وصف . فكان ذلك بمنزلة اسمين خاصين لمسمى واحد ، كقولنا : النجم والثريا . وسائر أسمائه ( تعالى ) صفات لم يقصد بها قصد هذين الاسمين . والدليل على صحة هذا : أننا نجد سائر أسمائه بعد هذين الاسمين معرفة ونكرة ، سواء كانت مخصوصة به أو مستعملة لغيره ، فتقول : اتق اللّه فإنه رب عظيم ، ملك جبار ، سبوح قدوس ، فتنكرها كما ترى ، وكذلك سائرها . ولا يجوز هذا في " الرحمن " كما لا يجوز في " اللّه " لا تقول : إن اللّه رحمان ، كما لا تقول : إن ربك إله تريد : اللّه ، ولا : إن ربك رحمن على هذا التأويل ، فقد تبين الفرق . ويؤكد الفرق أنه لو لم يقصد به قصد التسمية ، وكان على أصله من الصفة لاستغنى به عن الإتيان " بالرحيم " بعده ، إذ القصد بهما معنى واحدا ، فلا معنى لتكريرهما إذن ، وأحدهما يغني عن الآخر . ومما يؤكد الفرق بينه وبينها : أنه لما وضع علامة خاصة ، غير عن بنائه وأصله ، وهو قولنا : " راحم " فقيل : " الرحمن " ، كما فعل " بالسماك " حيث غير عن سامك ، و " بالدبران " و " العيوق " ونحوها من الأسماء المختصة الموضوعة للعلامة المنقولة من الصفة . فإن قال قائل : غير " الرحمن " من " الراحم " كما غير " الرحيم " منه لمعنى المبالغة . قيل : إخراجه على هذا البناء - ومثله معلوم مطرد - كقولنا : عالم وعليم ، وسامع وسميع ، وقادر وقدير ونحوه . وفعيل أحد الأبنية الخمسة التي يخرج إليها فاعل بمعنى التكثير دون غيرها من الأبنية وهي : فعول وفعال ومفعال وفعيل وفعل ، وليس فعلان منها ، ولا يخرج إليها من فاعل على هذا المعنى ، ألا ترى أن فعلان لم يجئ متعديا في شيء من الكلام كما يتعدى فاعل وفعيل ، وجميع هذه الأبنية التي أخرج الفعل إليها لمعنى التكثير . فإن قال قائل : إنما قدم " الرحمن " على " الرحيم " حيث كان على بناء : يختص باللّه عز وجل . فالجواب : أنه لو كان صفة لا اسما خاصّا ، لم يلزم تقديمه على " الرحيم " إذ هو صفة مثله ، كما لم يلزم تقديم " الملك " على " القدوس " في قوله عز وجل هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [ الحشر : 23 ] لأن " القدوس " لا يستعمل لغير اللّه ، و " الملك " قد يستعمل